ابن كثير

466

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

جرير ، وقال أصحاب أبي حنيفة : إن كان الإضرار من قبلها ، جاز أن يأخذ منها ما أعطاها ، ولا يجوز الزيادة عليه ، فإن ازداد جاز في القضاء ، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا ، فإن أخذ ، جاز في القضاء . وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه : لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها ، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس ، وقال معمر والحكم : كان علي يقول : لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها ، وقال الأوزاعي : القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها . ( قلت ) : ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة ، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس ، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد ، وبما روى عبد بن حميد حيث قال : أخبرنا قبيصة عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ، يعني المختلعة ، وحملوا معنى الآية على معنى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي من الذي أعطاها لتقدم قوله : فلا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي من ذلك ، وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس « فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه » رواه ابن جرير ، لهذا قال بعده تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . فصل : قال الشافعي : اختلف أصحابنا في الخلع ، فأخبرنا سفيان عن عمر بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد ، يتزوجها إن شاء ، لأن اللّه تعالى يقول : الطَّلاقُ مَرَّتانِ - قرأ إلى - أَنْ يَتَراجَعا قال الشافعي : وأخبرنا سفيان عن عمرو ، عن عكرمة ، قال : كل شيء أجازه المال فليس بطلاق ، وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس : أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال : رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه ، أيتزوجها ؟ قال : نعم ، ليس الخلع بطلاق ، ذكر اللّه الطلاق في أول الآية وآخرها ، والخلع فيما بين ذلك ، فليس الخلع بشيء ، ثم قرأ الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وقرأ : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رضي اللّه عنهما من أن الخلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ ، هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر ، وهو قول طاوس وعكرمة ، وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود بن علي الظاهري ، وهو مذهب الشافعي في القديم ، وهو ظاهر الآية الكريمة ، والقول الثاني في الخلع : أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك ، قال مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن جهمان مولى الأسلميين ، عن أم بكر الأسلمية : أنها اختلعت من زوجها عبد اللّه بن خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك ، فقال : تطليقة إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت ، قال الشافعي :